السيد محمد تقي المدرسي

163

من هدى القرآن

اليقينية العميقة بربهم - عز وجل - إذ إنهم وجدوه أهلا للعبادة فعبدوه ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : « فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأَحْرَارِ وهِيَ أَفْضَلُ العِبَادَةِ » « 1 » ، وقال زين العابدين عليه السلام : « إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ لِأَغْرَاضٍ لِي ولِثَوَابِهِ فَأَكُونَ كَالعَبْدِ الطَّمِعِ المُطَمَّعِ إِنْ طُمِّعَ عَمِلَ وإِلَّا لَمْ يَعْمَلْ ، وأَكْرَهُ أَنْ أَعْبُدَهُ لِخَوْفِ عَذَابِهِ فَأَكُونَ كَالعَبْدِ السَّوْءِ إِنْ لَمْ يَخَفْ لَمْ يَعْمَلْ . قِيلَ : فَلِمَ تَعْبُدُهُ ؟ قَالَ : لِمَا هُوَ أَهْلُهُ بِأَيَادِيهِ عَلَيَّ وإِنْعَامِهِ » « 2 » . ويبين الإمام الرضا خلفية هذا النهج في العبادة إذ يقول عليه السلام : « . . وَلَوْ لَمْ يُخَوِّفِ اللهُ النَّاسَ بِجَنَّةٍ وَنَارٍ لَكَانَ الوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ وَلَا يَعْصَوْهُ لِتَفَضُّلِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ ، وَمَا بَدَأَهُمْ بِهِ مِنْ إِنْعَامِهِ الَّذِي مَا اسْتَحَقُّوهُ » « 3 » . والإمام الصادق عليه السلام يشير إلى الدوافع الحقيقية لسلوك هذا الفريق ألا وهو العلم والمعرفة ، فيقول : « مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللهَ يَرَاهُ ويَسْمَعُ مَا يَقُولُ ويَعْلَمُ مَا يَعْمَلُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَيَحْجُزُهُ ذَلِكَ عَنِ القَبِيحِ مِنَ الأَعْمَالِ فَذَلِكَ الَّذِي خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى » « 4 » . وحتى لو خشي هؤلاء النار ، أو طمعوا في الجنة فليس لذاتيهما ، بل لأن الأولى تبعدهم عن الله ، والثانية تقربهم إلى مقامه تعالى في مقعد صدق عند مليك مقتدر . ولأن هذا الفريق من العباد خافوا ربهم في الدنيا استحقوا أمنه وجناته في الآخرة . قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى وعِزَّتِي وجَلَالِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ ولَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ ، فَإِذَا آمَنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا آمَنْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ » « 5 » . وهؤلاء يستحون من ربهم ، ويخافون شهوده في السر والعلانية ، والجنتان اللتان يعطيهما الله لهم هي في مقابل العذابين ( جهنم والحميم ) اللذين يطوف بينهما المجرمون . قال البعض : إن هؤلاء هم أرفع المؤمنين درجة ومقاما ، حيث لا يرقى الأدنى إلى منزلة الأرفع فإن الله أعطاهم جنتين ، جنة تخصهم وأزواجهم ، وجنة يستقبلون فيها المؤمنين داراً للضيافة ، وقال قائل : الجنة الأولى داخل بيته والثانية خارجه ، وقال آخرون : إن الأولى جزاء أعمالهم والأخرى زيادة وفضل من عند الله ، وقيل : إن الأولى جزاء أعمالهم وسلوكياتهم ، والثانية جزاء ما انطوت عليه قلوبهم من العلم والمعرفة ، ونفوسهم من الإيمان والتصديق ، والذي يظهر من عموم القرآن أن للمؤمنين أكثر من جنتين قال تعالى : وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ

--> ( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 84 . ( 2 ) مستدرك الوسائل : ج 1 ، ص 102 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 70 ، ص 353 . ( 4 ) الكافي : ج 2 ، ص 70 . ( 5 ) مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 222 .